cinema cinema


كلينت إستوود ينجز فيلمين سينمائيين للأجيال

كتبهامحمود الشرع ، في 31 تشرين الأول 2007 الساعة: 18:30 م

 
محمود الشرع
 122152
فيما يثرثر البعض حول مدى الإهمال الذي تعرض له الممثل والمخرج كلينت إستوود في مختلف الجوائزالتي وزعت مؤخراً بل وحتى في إعلانات الترشيحات، تبقى حقيقة بسيطة واحدة وهي أن فيلمي  رايات آبائنا (Flags of Our Fathers ) و رسائل من أوجيماLetters From Iwo Jima)) تمثل إنجازاً معلماً في تجربة إستوود الطويلة والعريقة.

إنهما فيلمان للأجيال، ستبقى آثارهما في الأذهان ماثلة لفترة طويلة بعد أن نكون قد نسينا مؤشرات الأفلام الأكثر جماهيرية، التي تقدم مثالاً على الطبيعة المتقلبة للاتجاه السائد للأفلام التي تعرض والتي بمعظمها تبقى بعيدة كل البعد عن القيمة النقدية والتاريخية للفيلمين المذكورين.

كلا من الفيلمين - الذين يكملا بعضهما البعض- يرجع صداه للآخر ليشكلا معاً دراسة غنية وبمنهجية عالية، تتداخل بطريقة مؤثرة لتعيد طرح مسلمات مثل: معنى البطولة، جنون الحرب، التجربة المشتركة للجنود العاديين على جبهتي القتال، وقدرة التخيل والدعاية ( البروباغندا) للتأثير على مشاعر الجمهورإيجاباً أو سلباً.
 
رايات آبائنا
في 23 شباط (فبراير) عام 1945، التقط مصور وكالة أسوشيتد بريس (جو روزنثال) صورة حربية لخمسة من المارينز ومتدرب في البحرية يرفعون أنبوب ماء ياباني ثقيل في أعلاه ثبتوا العلم الأمريكي هذه الصورة ستصبح ولأمد طويل أيقونة تعبر عن شجاعة الأمريكيين، جعلت الكثيرين يفسرون تلك اللحظة كإشارة نصر، وهم في ذلك أطلقوا العنان لأمنية جمعية داخل المجتمع الأمريكي،عبرت عنها الصورة أفضل تعبير ممكن.

حادثة رفع العلم الشهيرة تلك حدثت فقط في اليوم الخامس من حملة الثلاثين يوماًالجهنمية الرهيبة والمعدة لجزيرة أوجيما، و خلال أيام من تخليدهم بواسطة روزنثال، ثلاثة من الجنود الستة قتلوا. في حين استغلت الصورة الفائزة بجائزة بولتزر لكبح حالة التهكم داخل الولايات المتحدة المفلسة والمرهقة من الحرب.
يقول أحد الأشخاص في فيلم رايات آبائنا وهو ينظر إلى الصورة بتأثر:يمكنك أن تؤمن بأن التضحية لم تذهب هباءً .
إن أية روابط يمكن أن يستدل عليها المرء بين حاجات أمة تترنح فينهاية الحرب العالمية الثانية و الخوف الأمريكي العميقوالذي شكله مأزقه في العراق هي روابط مقصودة بشكل جلي وواضح.
و فيما تتزايد حالة الكشف عن حقيقة حالة الفوضى في العراق لدى صناع الأفلام الوثائقية، فإن كلينت إستوود اختار أن يخاطب هذه الحالة– المستنقع بطريقة غير مباشرة، وبعيدة عن التهور، ومن خلال عمل ملحمي ضخم ينتقد برمزية عميقة الدلالة.
تم تحضير سيناريو الفيلم من قبل وليام برويليس ج ر، و باول هاغيز نقلاً عن أفضل كتب جيمس برادلي مبيعاً Flags of Our Fathers والذي يستعرض مصير الستة الأمريكيين الذين ذاعت شهرتهم، وبشكل خاص الثلاثة الناجين إرا هايس (آدم بيش) و ريني جاجنون (جيسي برادفورد)، ودوك والد برادلي (رايان فيليب).
هايس و جاجنون و برادلي المتأثرينبصدمة أوجيما، يجبرون للخدمة كعملاء علاقات عامة ضمن جولة لحث الناس للتضامن مع الحرب ولجمع التبرعات.
يمانع ثلاثتهم ارتداء عباءة البطولة الكاذبة، التي أجبروا عليها من قبل بيروقراطية الجيش التي أدركت حالاً أنهم مورد مال لا ينضب، لكن الثلاثي يكبت احتجاجه حالما تعلو أسماءهم وصورهم مانشيتات الصحف، قبل يروا تجمع الحشود المعجبة في الاستاد الرياضي.
أثرت هذه الجولة بشكل خاص على هايس، الأمريكي الهندي،حيث تداخل إحساسه بالذنب لما حل برفاق السلاح الذين سقطوا، مع العنصرية التي كان يلاقيها في كل مناسبة.
أخطأ إستوود وكتاب الفيلم في ناحية الإفراط في التركيز على عنصرية هايس على حساب إضاءة جوانب أخرى في شخصيته، نقطة الضعف تتكرر في ضحالة العمق في شخصيتي جاجنون وبرادلي أيضاً،فرغم الشعور بعمق أدوارهم، حافظوا على حالة سطحية بشكل عام كمايقدم باقي شخصيات الفيلم أدواراًيمكن وصفها بالفوتوغرافية.
يميل الفيلم إلى المغالاة في التوكيد،وهذا ما يشير غالباً إلى ما يشبه الانفصال بين نموذج التمثيل المعتدل لدى إستوود و ونزعته المنتقدة بشكل مطرد في الإخراج.
هذا النزوع خدمه جيداً في موقع التصوير الرحب في  أوجيما، والذي تفوّقعلى شواطئ أوماها والتي صورت فيها مشاهد فيلم إنقاذ المجند رايان (Saving Private Ryan) (ستيفن سبايلبرغ هو منتج في فيلم رايات آبائنا) ليتمكن من إيصال الهمجية التي تخفيها أرض المعركة.
في الخاتمة العاطفية، والتي تحاول أن تداوي المشاهد الذي يتعرض لانتكاسة حين يشاهد حقيقة ما جرى، نشاهد أحد مشاهد المصالحة العائلية والتي لا تحدث بهذه الطريقة إلا في الأفلام.
و كما في فيلم إستوود Unforgiven، فيلم الغرب المنقح، والذي يوبخ جوعنا للعنف، ويغذيه في آن، فيلم رايات آبائنا يسمح لكل واحد من أن يأكل من كعكته وأن يمتلكها أيضاً. إنه ليس ضد الحرب كثيراً، بمقدار ما هو ضد الوثنية والانبهار بالأصنام، يطرح القضية بعمق فلسفي مؤثر دون أن يحرم عشاق أفلام الحرب من متعة مشاهدته.
    
رسائل من أوجيما
لابد من القول أن ما يطرحه فيلم رسائل من أوجيما أرفع مكانة من رفيقه فيلم رايات آبائنا والذي على الأرجح يقدم شيئاً معروفاًضمن مشاعر كلينت إستوود الوجدانية الوطنية.
ولا بد من القول أيضاً أن إستوود كمخرج لم تستثره السياسة قط ولو جزئياً، بل على النقيض: ما يحرضه دائماً هم الناس المنزوون، و أصحاب المبادئ الذين يشعرون بالواجب تجاه قضية ما، بغض النظر عن حكمة هذه القضية أو أثرها القيمي أو تأثيرها على مستقبلهم.

الرجال في الجيش الإمبراطوري الياباني، ورسائلهم، أعطت ما يمكن اعتباره الأساس المتين الذي شكّل الصورة النهائية لدى إستوود عن هذا الفيلم، وكانت ببساطة بديلاً عن معلومات أعضاء الاتحاد الأمريكي، وربما حتى عن قسم الشرطة في سان فرانسيسكو. تلك الرسائل تشرح قصة قتال فذ ومتفرد في معركة خاسرة، وعادة تشكل مثل هذه الحادثة حالة رومانسية سينمائياً،لكن إستوود قدمها بطريقة مختلفة يمكن وصفها بالملحمية.
في جزيرة أوجيما حيث يمكننا أننتخيل أن نجوم فيلم رايات آبائنا هم في مكان آخر يعصفون بشواطئ المناطقالمعادية،يقرر مجتمع ياباني ما قبل متمدن الدفاع عن جزيرة بركانية ذات رمل أسود ولا مفاتن فيها، ولكنهاتعتبر جزءاً من أراضي الوطن الياباني.
الضابط برتبة فريق كوريبايشي( كين واتانبي)، رجل المدرسة العسكرية القديمة،والذي سبق له أن سافر إلى الولايات المتحدة،وهو يكن لها الاحترام، ولكنه مع ذلك سيقاتلها.بالمقابل هناك سايغو( كازوناري نينوميا) الذي كان خبازاً في مكان إقامته الأصلية وهو الآن كاره لجنديته، يفتقد زوجته ويرى أن فكرة الموت من أجل الإمبراطور هي فكرة غريبة وجائرة.
لعل العلاقة المستهجنة بين امتياز الضابط وبقية الرجال المجندين في القوة اليابانية هي أحدى أكثر المظاهر الحادة واللاذعة في فيلم إستوود الذي كتبته الكاتبة المغمورة ارس ياماشيتا (40 عاماً، أمريكية من أصل ياباني).
ثمة أيضاً شخصية البارون نيشي ( تسو يوشي اهارا) وهو فارس أولمبي شارك في أولمبياد لوس أنجلس عام 1932، وقد عاش بظروف ملكية بسبب منبته العائلي، و آخرون مثل ليتونانت آتو ( شايدو ناكامورا ) كان يحوّل الأمر إلى شكل من أشكال التعصب والتي برأيه تلحق الأذى بالقضية اليابانية.
باستثناء بسيط، تكلم طاقم تمثيل إستوود بأكمله باللغة اليابانية، واعتمد على الترجمة الكتابية (subtitle)،ففي حالة فيلم (رسائل من أوجيما) لا يمكن فعل شيء آخر، فطريقة نطق اللغة هي أمر جوهري بالنسبة لهوية الشخصيات، وخاصة خلال صلواتهم من أجل نجاح مهمتهم، وتصميمهم على القتال حتى الموت.
إستوود ربما ليس صانع أفلام سياسية أصلاً، ولكن احتفاءه برجال يقاتلون في معركة خاسرة هو عمل خالد، ناهيك عن مقولة الفيلم الملحة هذه الأيام، ومن نافل القول أن هذا الفيلم عزز مكانة إستوود المرموقة كأعظم مخرج أمريكي على قيد الحياة.
 
 
نشرت في جريدة شرفات الشام
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر